مفهوم الأمن في العلاقات الدولية: من هاجس البقاء إلى إشكالية المعنى

لم يعد مفهوم الأمن في العلاقات الدولية مفهومًا تقنيًا محايدًا يُستدعى حصريًا لضمان الاستقرار أو حماية المجتمعات من المخاطر، بل تحوّل، عبر الممارسة السياسية، إلى خطاب مركّب تُعاد من خلاله صياغة الشرعية، وتُبرَّر باسمه سياسات الهيمنة، والتدخل، وأحيانًا الإقصاء والعنف. ومع تعاقب الأزمات الدولية، بات الأمن يُستخدم بوصفه أداة تفسير وتبرير أكثر من كونه إطارًا أخلاقيًا للحماية، الأمر الذي يفرض مساءلة جوهر المفهوم ذاته، لا سيما عند النظر إلى حالات مثل فلسطين المحتلة، والسودان الجريح، والنزاع الروسي–الأوكراني. وأجد نفسي أمام مساءلة فكرية عميقة لمفهوم الأمن: هل لا يزال مرتبطًا بحماية الإنسان بوصفه قيمة مركزية، أم أنه انزلق ليغدو مرادفًا لحماية القوة ومصالحها؟ وهل يمثّل الأمن قيمة إنسانية جامعة، أم خطابًا انتقائيًا يخضع لموازين النفوذ ويُفعَّل وفق اعتبارات سياسية لا أخلاقية؟ *الأمن بين الدلالة اللغوية والاستخدام السياسي* في جذره اللغوي، يرتبط مفهوم الأمن بالطمأنينة ونفي الخوف، وهو معنى يتجاوز البعد المادي ليشمل الاستقرار النفسي والاجتماعي. غير أن انتقال المفهوم إلى الحقل السياسي، خاصة مع تشكّل الدولة القومية الحديثة، أفضى إلى اختزاله في مفردات السيطرة، والردع، ومنع التهديد. هذا التحول لم يكن مجرد تطور اصطلاحي، بل عكس انتقال الأمن من كونه حالة إنسانية شاملة إلى كونه أداة حكم تُستخدم لضبط المجال السياسي وإدارة الصراع داخليًا وخارجيًا. ومن هنا نشأت فجوة متزايدة بين الأمن بوصفه قيمة إنسانية، والأمن بوصفه ممارسة سلطوية. *الأمن في نظريات العلاقات الدولية* أولًا: *الواقعية ومنطق البقاء* تنطلق المدرسة الواقعية من افتراض فوضوية النظام الدولي وغياب سلطة مركزية ضامنة، ما يجعل الدولة فاعلًا عقلانيًا يسعى إلى تعظيم قوته لضمان بقائه. غير أن هذا المنطق، حين يُسقط على دول تعاني هشاشة بنيوية أو انقسامًا داخليًا، لا يُنتج أمنًا مستدامًا، بل يعمّق الصراع ويحوّل القوة إلى عامل تفكك. فاحتكار العنف دون شرعية سياسية جامعة، أو دون عقد اجتماعي متماسك، يحوّل الدولة من منتج للأمن إلى مصدر لغيابه، ويجعل الأمن ذاته محل نزاع. ثانيًا: *الليبرالية والتعاون المشروط* تربط الليبرالية تحقيق الأمن بتفعيل المؤسسات الدولية، وتعزيز التعاون الجماعي، واحترام القانون الدولي. غير أن التجربة العملية تكشف أن هذا النموذج يخضع لانتقائية واضحة، إذ تُفعَّل آليات الحماية في بعض السياقات، وتُعطَّل في سياقات أخرى تبعًا لحسابات القوة. هذا الواقع يُضعف مصداقية فكرة الأمن الجماعي، ويحوّلها من مبدأ إنساني إلى امتياز سياسي تُحدّد شروطه خارج الاعتبارات الأخلاقية. ثالثًا: *البنائية وصناعة التهديد* تقدّم البنائية إسهامًا مهمًا في فهم الأمن بوصفه نتاجًا اجتماعيًا وخطابيًا، لا مجرد استجابة لتهديدات موضوعية. فالتهديد لا يُكتشف فقط، بل يُصاغ عبر اللغة، والتوصيف، والتمثيل. في هذا السياق، يُعاد تعريف الفاعلين، وتُرسَم حدود الشرعية، ويُحدَّد من يُنظر إليه كخطر ومن يُمنح صفة الحماية، وهو ما يجعل الأمن مرتبطًا ببنية الخطاب بقدر ارتباطه بالوقائع. *المقاربات النقدية: مساءلة مفهوم الأمن* تذهب المقاربات النقدية، ولا سيما دراسات “الأمننة”، إلى تفكيك كيفية تحويل قضايا سياسية أو اجتماعية إلى تهديدات وجودية تُبرّر اتخاذ إجراءات استثنائية. في هذا الإطار، يصبح الأمن وسيلة لتعليق القواعد القانونية، وتقييد المجال العام، وإعادة إنتاج السيطرة. تكشف هذه المقاربات أن المشكلة لا تكمن فقط في غياب الأمن، بل أحيانًا في فائضه الخطابي، حين يُستخدم لتبرير ما يتناقض مع مقاصده الأصلية. *فلسطين كنموذج لاختلال المعنى* تُعدّ الحالة الفلسطينية من أكثر النماذج وضوحًا لاختلال مفهوم الأمن في النظام الدولي، حيث يُمنح الأمن لطرف على حساب آخر، وتُقدَّم القوة بوصفها دفاعًا مشروعًا، بينما تُغيَّب الحماية عن المدنيين. هذا الخلل لا يعكس أزمة محلية فحسب، بل يكشف أزمة أخلاقية عميقة في بنية النظام الدولي ذاته، حيث يُعاد تعريف الأمن وفق ميزان القوة لا وفق معيار العدالة. *السودان: حين يُسقط النظام الدولي حق الشعب في الأمن* تمثّل الحالة السودانية أحد أكثر الأمثلة فداحة على انهيار البعد الإنساني لمفهوم الأمن. فمنذ أكثر من عامين، يعيش السودان حربًا مدمّرة ذات كلفة إنسانية غير مسبوقة، دون أن يتعامل النظام الدولي ومؤسساته مع هذه المأساة بما يتماشى مع حق الشعب السوداني في الأمن والحماية. فقد جرى، بصورة مقلقة، غضّ الطرف عن الجرائم الواسعة التي ارتكبتها مليشيا الدعم السريع بحق المدنيين في ولاية الخرطوم والجزيرة وولايات دارفور وكردفان، بما شمل القتل الجماعي، والتطهير العرقي،والإغتصاب، والتهجير القسري، وتدمير البنية التحتية و الاجتماعية. الأخطر من ذلك أن هذا التجاهل لم يقتصر على الانتهاكات، بل امتد ليشمل شبكات التمويل والدعم العسكري، حيث واصلت هذه المليشيا الحصول على أسلحة متطورة، من بينها أسلحة أمريكية وإنجليزية الصنع، إضافة إلى مرتزقة من أمريكا اللاتينية وبعض الدول الإفريقية، بدعم مباشر أو غير مباشر من دول باتت معروفة بالأدلة والبراهين. ومع ذلك، لم تُفعَّل آليات المساءلة الدولية بصورة جدية، ولم تُفرض إجراءات ردع حقيقية على الجهات الداعمة، ما يعكس بوضوح أن الأمن، حين يتعلّق بشعوب خارج دوائر النفوذ، يتحول إلى مفهوم مُعطّل لا يُستدعى إلا انتقائيًا. *أوكرانيا والسودان: ازدواجية المعايير في حماية الإنسان* تتجلى إشكالية الأمن الدولي بصورة أوضح عند المقارنة بين النزاع الروسي – الأوكراني والحرب في السودان. ففي الحالة الأوكرانية، شهد العالم استجابة أوروبية غير مسبوقة لاستقبال اللاجئين، شملت تسهيلات قانونية، وإقامات فورية، ودعمًا اجتماعيًا واقتصاديًا واسع النطاق، كما خصصت الولايات المتحدة برامج إنسانية استثنائية للأوكرانيين. في المقابل، لم يحظَ الشعب السوداني، الذي تعرّض لأكبر موجة تهجير قسري في العصر الحديث، بإجراءات مماثلة. إذ تشير التقديرات الأولية إلى نزوح أكثر من 15 مليون سوداني، في واحدة من أضخم حركات النزوح الجماعي منذ الحربين العالميتين الأولى والثانية، بينما قُدِّر عدد القتلى من المدنيين بنحو 200 ألف قتيل وفق تقارير منظمات تابعة للأمم المتحدة. وعلى الرغم من فداحة هذه الأرقام، ظل التعاطي الدولي محدودًا وخاليًا من الإرادة السياسية اللازمة للحماية أو المساءلة، في وقت بلغ فيه عدد القتلى المدنيين في أوكرانيا نحو 13 ألف. لا تعكس هذه المقارنة تفاوتًا في حجم المأساة فحسب، بل تكشف خللًا بنيويًا في منظومة القيم الدولية، حيث يُمنح الأمن وفق اعتبارات الهوية والتحالف، لا وفق القيمة المتساوية لحياة الإنسان. *الأمن في الدول الهشة: إشكالية الدولة والحماية* في الدول التي تعاني تفككًا مؤسسيًا أو صراعات داخلية، يظهر الأمن بوصفه خطابًا بلا مضمون. فغياب الدولة العادلة، وتعدد مراكز القوة، وتدويل الأزمات دون ضمان حماية المدنيين، يجعل الأمن مفهومًا إجرائيًا لا إنسانيًا. تُظهر هذه السياقات أن الأمن لا يُبنى بالسلاح وحده، بل بشرعية سياسية، وعدالة اجتماعية، ومؤسسات قادرة على تمثيل المجتمع لا إخضاعه. *الأمن في الإسلام والبعد القيمي* في الإسلام، يرتبط الأمن ارتباطًا وثيقًا بالعدل وصون الكرامة الإنسانية، حيث يُقدَّم بوصفه نتيجة طبيعية لرفع الظلم وتحقيق الاستقامة الأخلاقية، لا ثمرة للقوة أو الإكراه. ويعيد هذا التصور الأمن إلى مركزه الإنساني، بوصفه حقًا لا يُجزّأ. ويُقرأ هذا البعد القيمي المرتبط بعدم الظلم والحق في الأمن من خلال النص القرءاني في سورة الأنعام – الآية 82. قال الله تعالى : ( الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ) فلا أمن بلا عدل ، ولا هداية مع فساد البنية الأخلاقية للمجتمع. *نحو مفهوم إنساني للأمن* تكشف التجربة الدولية أن الأمن، حين يُفصل عن العدالة، يتحول إلى أداة عنف، وحين يُحتكر من قبل الأقوى، يفقد معناه الأخلاقي. إن الحاجة اليوم ليست إلى توسيع الخطاب الأمني، بل إلى إعادة تعريفه بوصفه حقًا إنسانيًا شاملًا، لا امتيازًا سياسيًا. فالأمن إما أن يكون مشروعًا جماعيًا قائمًا على الكرامة والعدالة، أو يتحول إلى وهم حماية يُنتج مزيدًا من الهشاشة وعدم الاستقرار. وفي عالم تتزايد فيه الصراعات، تصبح إعادة التفكير في مفهوم الأمن ضرورة فكرية وأخلاقية، لا مجرد تمرين نظري.

منير معاوية علي - باحث في العلاقات الدولية

12/28/20251 دقيقة قراءة